السبت 7 يناير 2017 الساعة 09:44



كومينة. عودة حكومة فاشلة لا يمكن أن يكرس إلا الفشل



بنكيران يترك كل شيء للقضاء والقدر ويريد مجتمعا مرتبطا بالغيبيات

 

 

محمد نجيب كومينة

 

تحرير النمو من التأثير السلبي للجفاف عبر تطوير القيمة المضافة في القطاعات غير الفلاحية والعمل على تطوير فلاحة  متطورة لا ترتبط قيمتها المضافة بالحبوب والتساقطات المطرية.  ذلك هو الرهان المغربي منذ بداية القرن الأول من الألفية الجديدة بعد توالي النمو السلبي في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي بفعل الجفاف وبرنامج التقويم الهيكلي.

 

ومند بداية القرن الحالي عمل المغرب على وضع أو تدقيق سياسات عمومية ومخططات قطاعية، بالاستعانة بمكاتب الخبرة الدولية في عدد من الحالات، ووضع مجموعة من الحوافز الضريبية والجمركية اتجهت إلى تطوير حياد النظام الضريبي وتخفيف العبء الضريبي على المقاولات من أجل تشجيع الاستثمار الداخلي وجلب الاستثمار الخارجي وجعله يختار القطاعات والأنشطة المنتجة للقيمة المضافة العالية من أجل تنويع العرض الموجه للسوق الداخلية، وبالأخص للتصدير، وتطوير  ميزات تنافسية.

 

وقد ارتفع معدل النمو بين 2000 و2006 وبلغ  9،4 في المائة في المتوسط، واستمر مرتفعا نسبيا بعد ذلك، إذ بلغ 3،4 في المائة في المتوسط بين  2007 و 2012، وفي نفس الوقت ارتفع معدل الاستثمار الوطني وبلغ   خلال سنوات 34 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهو من أعلى المعدلات عالميا ويتجاوز المعدل المسجل في العقود الأخيرة الذي كان قريبا من 20 في المائة، وتم في نفس الوقت امتصاص عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات، الذي حقق فوائض في العقد الماضي، وعجز الميزانية كذلك، حيث تحقق فائضان لأول مرة في تاريخ المغرب سنتي 2007 و 2008، وتخفيض الدين الخارجي العمومي بشكل كبير... وإطلاق عدد من الأوراش الكبرى التي صار لها مفعول مهم  على الاستثمار والتنمية، من قبيل الميناء المتوسطي لطنجة والطرق السيارة...، وأيضا دعم استهلاك الأسر، الذي يعتبر المحرك الأساسي للنمو، عبر الزيادات في الأجور وتخفيض الضريبة على الدخل...والشروع في بعض البرامج الاجتماعية الهادفة إلى تطوير التمدرس والعلاجات الأساسية وتحفيز الأسر الفقيرة والقروية على الاهتمام بصحة وتعليم أبنائها وبناتها، وكان برنامج راميد من بواكير هذه المرحلة مثله مثل تيسير ودعم الأرامل والمطلقات... وكانت هذه البرامج قيد التجريب أو الدرس.

 

هذه المكاسب المهمة، وغيرها، خلال عقد ونيف من الزمن جعلت المغرب يطمح لما هو أكبر ومكنته من أن يصبح نموذجا في محيط يسيطر فيه الفشل ويتهدده خطر الدول الفاشلة. وكانت هذه المكاسب أيضا، ومعها مكاسبه السياسية كبلد ترسخت فيه التعددية و ثقافة التوافق، وراء قدرته على تجاوز عاصفة ما سمي بـ"الربيع العربي" بدون خسارات، بل بربح الإصلاح الدستوري الذي استوعب عمليا كل المقترحات التي بلورتها هيئة الإنصاف والمصالحة، والتي كانت حدثا فارقا في هذه الفترة، ومسودة  الخطة التي أعدت بناء عليها  وعلى التشاور مع الفاعلين المدنيين سنة 2008 من أجل تطوير الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

لكن المغرب واجه مند 2012 وضعية جديدة، كان فيها للعامل الخارجي  دور لا يمكن إنكاره، وبالأساس عامل ارتفاع أسعار البترول في السوق الدولية  كان وراء ارتفاع عجز الميزان التجاري بنسبة تقارب 90 في المائة ووصول عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات  إلى 10 في المائة وكذلك تجاوز العجز الإجمالي للميزانية لمعدل 7 في المائة بسبب ارتفاع كلفة دعم المحروقات وبعض المواد الغذائية سنة 2012، لكن هذه الوضعية كانت قابلة للتدبير على نحو مغاير لما اتبع من طرف حكومة يقودها حزب إسلامي يفكر في مصلحته الحزبية الضيقة ويفتقد للقدرات والخبرات اللازمة لتدبير الشأن العام بشكل عام، ولتدبير الظرفيات الصعبة والانتقالية بشكل خاص وليست له علاقات دولية يمكن أن تتم الاستفادة منها، كما كان الشأن بالنسبة للاتحاد الاشتراكي الذي اعتمد على علاقاته الخارجية لتخفيض الدين الخارجي، بل ومرفوض من طرف بعض شركاء المغرب الذين يمكن التعويل على دعمهم المالي، وبالأساس دول الخليج التي يعرف الجميع موقفها من الإخوان المسلمين عدا قطر التي تبنت مواقف عدائية تجاه المغرب في فترة حكم الأمير السابق المعزول. ولولا علاقات الملك مع دول الخليج لما استفاد المغرب من 5 ملايير دولار التي خصصتها هذه الدول للمغرب على مدى 5 سنوات والتي رفعت احتياطي البلاد من العملة الصعبة، الذي كان قد انخفض إلى ما يعادل 4 أشهر من الاستيراد في سنتي 2012 و 2013، وسيولة الأبناك التي استفادت من المرونة التي اكتسبتها السياسة النقدية.

 

فقد كان مثيرا أن حكومة بنكيران  تعاملت بجبن كبير مع الظرفية التي واجهتها وبارتباك في الأولويات، أبان عن جهل، وسارعت إلى الارتماء في حضن  صندوق النقد الدولي في سنتها الثانية، حيث تم اللجوء إلى آلية "خط الوقاية والسيولة" المستحدثة سنة 2011 لمساعدة بعض الدول التي قد تواجه مشكلة عجز خطير لميزان الأداءات بتوسيع  إمكان استفادتها مما يعادل حصصها مئات المرات، وهي آلية لا يمكن الاستفادة منها إلا بالالتزام ببرنامج يطابق برامج التقويم الهيكلي  سيئة الذكر، التي نعرف ما خلفته رغم عدم الالتزام بها كليا.

 

ومند ذلك الوقت تم تجديد التعاقد مع صندوق النقد الدولي كل سنتين، وما نزال إلى اليوم رهائن لذلك التعاقد رغم زوال الظروف التي برر بها اللجوء إليه. وفي أطار ذلك التعاقد تم الشروع في تفكيك صندوق المقاصة، الذي تعمد بنكيران أن يضع على رأسه إحدى أخواته في الحزب والزاوية،  وفيما يسمى بإصلاح التقاعد  ورفع تسعيرة الكهرباء وتقليص عدد الموظفين واعتماد العقد في الوظيفة العمومية  وتجميد الحوار الاجتماعي ورفض الزيادة في الأجور والشروع في إصلاح ضريبي يروم الضغط على الاستهلاك عبر نقل العبء إلى الضريبة على القيمة المضافة وتقليص الميزانية المخصصة للتعليم ... إلخ، وتم في نفس الوقت الحد من نمو ميزانية الاستثمار وعدم تنفيذ ما يرد فيها... وقد أمعنت الحكومة في تنفيذ التزاماتها مع صندوق النقد الدولي رغم تغير الظرفية التي كانت قائمة سنة 2012  وانخفاض سعر البترول بشكل كبير وتقلص ميزانية دعم الأسعار بشكل أكبر.

 

ويتبين أن الاستمرار في سياسة اقتصادية فات زمنها يلاءم منطق بنكيران وإخوته الذين يرغبون في تطبيق رؤيتهم البئيسة بتحويل المجتمع إلى مجتمع الصدقات ويشتغلون دائما بأفق انتخابي وبمراعاة مصلحتهم الحزبية قبل كل شيء من أجل "التمكين".

 

وطبيعي والحالة هذه، أن تعجز الحكومة على إيجاد آليات لتحريك قطاعات تردت وضعيتها في سنوات توليها للحكومة، وفي مقدمتها قطاع البناء الذي كان قاطرة للنمو في مطلع الألفية وكذلك بعض القطاعات الصناعية والخدماتية التي بقيت في حالة غير مرضية، بما في ذلك قطاع السياحة الذي لم يستفد على النحو الأمثل من الامتياز المقارن للمغرب في محيطه المتوسطي المضطرب.  وهكذا وصل المغرب في السنة الأخيرة من عمر الحكومة المنتهية ولايتها إلى تحقيق  أضعف معدلات النمو مند بداية القرن الجديد، بحيث لا يتجاوز 2،1 في المائة وهو ثاني المعدلات سوء بعد ذلك الذي تم تسجيله في سنتها الأولى وأقربها لمعدلات ثمانينات وتسعينات القرن الماضي  السيئة جدا. والمعدل الذي تم تسجيله لا يمكن تفسيره فقط بالفلاحة، التي عرفت تحولا مهما جعل ثقل الحبوب في تكوين قيمتها المضافة  يتراجع لفائدة تربية المواشي والأشجار المثمرة، وإنما بالإخفاق في اتخاذ القرارات الملائمة وتكييف السياسة الاقتصادية مع تغير الظرفية بما يكفي من المرونة والكفاءة والذكاء. وفاقد الشيء لا يعطيه.

 

لقد كانت السنوات الخمس الماضية سنوات ضائعة نوعا ما، وهو ما لم تنفيه الحكومة نفسها بالامتناع عن تقديم حصيلتها أمام البرلمان والرأي العام، وتهرب رئيسها من الدفاع عن هذه الحصيلة في شموليتها باللجوء إلى الجدل العقيم والعنف اللفظي وشخصنة السباق الانتخابي والصراع السياسي بشكل تجاوز كل الحدود  كحيلة لتغييب نقاش برنامجي وسياسي يرتقي بالوعي ولا يهبط به إلى الحضيض.

 

لقد استشهد بنكيران ذات خطاب بقولة للمقيم العام الأول للحماية الفرنسية الماريشال ليوطي مفادها أن حكم المغرب يرتبط  بالأمطار، ونسي أن  القولة تعود لزمن كان المغرب فيه قرويا بنسبة 90 في المائة وليس بنسبة 45 في المائة كما هو الحال اليوم. والاستشهاد يبين أن الرجل يترك كل شيء للقضاء والقدر وأنه يريد مجتمعا مرتبطا بالغيبيات كي يسهل عليه التمكن منه وليس مجتمعا يتفاعل مع معطيات عصره إيجابيا ويسعى للتقدم، فالتقدم عدو كل الرجعيات.






صلح الحديبية. فتح مكة وأخطار البيجيدي على المغرب

الحكومة. تدوينة لنجلة بنكيران تكشف بكاء الأسرة

الحكومة. هل من حظوظ لنجاح العثماني؟

كاتب جزائري. "ما أغبانا أصبحنا مسلوبي الإرادة.."

بوستة. السياسي والديبلوماسي الذي واجه بوتفليقة

غانا. الزيارة الملكية تفتح أفاق مضاعفة الاستثمار






" يمنع منعا كليا نشر تعليقات السب والقذف وكل العبارات النابية "


* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
* التعليق