- Advertisement -

- Advertisement -

- Advertisement -

أبواق الداخل والخارج لصحافة الاسترزاق

عبد السلام الكنفاوي

قد يكون واردا أن سنوات ما قبل طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عرفت تضييقا على حرية الرأي والتعبير والصحافة، وقد يكون من المسلم به أن بعض الممارسات التعسفية قد لحقت صحافيين بسبب حيازتهم لبيان ما أو منشورات تهم تنظيمات سرية أو ما شابه ذلك. وقد لا ننكر أن حملات الاعتقالات قد شملت صحافيين بسبب انتماءاتهم التنظيمية أو قناعاتهم السياسية أو آرائهم ومواقفهم أحيانا…

طبعا، لم تجد الدولة ضيرا في الإقرار بذلك، ولم تجد حرجا في إيراد هذه الممارسات وغيرها في التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، وبذلك كانت إرادة الدولة هي  الكشف عن الحقيقة وجبر ضرر الضحايا والتعهد بضمان عدم تكرار مآسي الماضي. وعليه، يمكن لبعض صحفيي عهدئِذ أن يصنفوا أنفسهم في زمرة الضحايا ولهم الحق في ادعاء ذلك.

- Advertisement -

غير أن المضحك المبكي هو ثلة، لِئَلَّا نقول شرذمة، من الإعلاميين لم يجدوا ما يدبجون به بلاغاتهم ويستهلون به تصريحاتهم، بشأن التعسف المتخيل تجاههم، غير أفعال دنيئة تقع تحت طائلة القانون الجنائي، وبذلك نالوا خزي الخيانة والاغتصاب والفساد والاتجار بالبشر والتخابر مع الأعداء والعمالة لصالح الخصوم… ويا لها من عاقبة، عافانا الله وإياكم من سوئها.

ختم موقع “رصيف 22” ملفه الموسوم بـ “الصحافة ترعب المخزن” بسؤال “هل الهدف هو إنهاء الصحافة المستقلة في المغرب؟”. كنت سأقول “نعم” لو تمت صياغة السؤال على هذه الشاكلة : “هل الهدف هو إنهاء الصحافة المسترزقة في المغرب؟”، لأن صحافة الاسترزاق ببساطة، وفي يومنا هذا، صاغت مواصفات الصحافي المسترزق النزق، وخلقت سوقا رائجة يتنطع فيها المتنطعون. وللتهاوي والتسفّل فيها والعبور بأمان إلى مآزقها لا بد من تخطي درجات أدناها تبني مقولة “غوبلز”، وزير الإعلام في حكومة هتلر النازية، “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس!” كعقيدة، وأعلى درجاتها دناءة ووقاحة هي التنكر للوطن والتخابر مع المتربصين به. وللتغطية على ذلك فإن لهم فيها مسالك: أن تُكثر الضجيج من حولك، والأحسن أن تكون عبر أبواق خارجية، وأن يكون منهجك كمنهج بائع الخردة والذي قوامه “من صرخ أكثر باع أكثر”.

هاجسهم هو المتاجرة بالأزمات، فإن لم تكن هناك أزمة فعلوا الأفاعيل لاختلاقها ولو بالكذب البواح، هواة متصيدي الهفوات، موقظون للفتن النائمة وحاشرون أنوفهم بلا كلل في المتأخرات والمتلاشيات كما تحشر الضباع جماجمها في بقايا الجيف، إنهم باحثون عن الأخطاء كما يبحث الزبال، ولا أقصد بذلك عاملي النظافة، وإن بـ”إسقاط الطائرة في الحقل”، لتعضيد معاول الهدم وتجريف الرأي العام وتزييف الواقع الذي لا يرتفع.

التحامُلُ لمّا يصير مرضا مركبا يعمي البصائر والأبصار، ولا يترك فرصة لمن سكنتهم العدمية تفكيرا وسلوكا أن يكلفوا أنفسهم عناء الالتفات إلى مظاهر تحسن المؤشرات الوطنية لحرية الصحافة والنشر، والتي لا ينكرها إلا جاحد لجوج، كما لم يدع مركب التبخيس والتسفيه لعملاء “رصيف 22” مجالا ولو قليلا لقول “لا، ولكن…”. فوجود صحافة حرة ومستقلة في نظرهم ليس إلا تبادل أدوار، طبعا، بين أطراف لا تدركها إلا جماجمهم التي سكنها هاجس الكيد والتآمر، وكأن تعددية المشهد الإعلامي واختلاف خطوط التحرير ووجود صحافة كانت ولاتزال قائمة وناقدة للأوضاع السياسية والحقوقية والاقتصادية، ولم يُسجل أن تضييقا ما مكشوفا كان أو مضمرا لحق بها، هو أيضا بفعل فاعل وواقع دُبر بليل.

وفي الأخير، إذا كانت معركة الدولة هي ضمان سيادة القانون وتطبيقه على الجميع سواسية، فمعركة المجتمع والصحافة المستقلة هو إحكام القبضة على صحافة الاسترزاق وتعجيل خطواتها ما أمكن للوقوع في المستنقع، وهو أيضا فضح كل منتحل صفة صحافي، لا تحكمه أخلاقيات العمل الصحفي ولا يردعه وازع الضمير المهني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.