- Advertisement -

- Advertisement -

- Advertisement -

ولاد كازا لي تيعرفوه… أحمد الغول لي كان صعصع زمانه

ولد أحمد الغول في منطقة ولاد زيان بضواحي الدارالبيضاء سنة 1940 من أبوين قرويين كانا يمتهنان الفلاحة. في عام الجوع أو ما يعرف لدى سكان الشاوية بعام ‘‘ القوسيني ‘‘ ( 1942 ) هاجرت أسرته إلى الدارالبيضاء، وكان لا بد لها أن تستقر في الحي الذي كان يستقبل المهاجرين آنذاك، الحي العمالي الفقير : الحي المحمدي . في طفولته كان أحمد الغول صبيا وديعا يلعب مع أقرانه و يلهو ما استطاع في هوامش المدينة، ولا يختلف كثيرا عنهم في بنيته الجسدية . لكن ما إن تقدم في السن وصار شابا يافعا، حتى صار مميزا بعضلاته الطبيعية عن أترابه، ما جعله يصبح قائدهم المحبب، المدافع عنهم في شجاراتهم الصغيرة، وضامن أمنهم وسلامتهم. شهرته كمتشاجر شرس و‘‘ باكارور ‘‘ من الطراز الأول، سرعان ما ستنتشر كالنار في الهشيم من الحي المحمدي إلى الأحياء المجاورة، فصار مطلوبا لدى العام والخاص، ويدفع له المال من أجل الظهور إلى جانب الشخصيات السياسية والنقابية، كدعامة بشرية مهمة أمام الخصوم و الأعداء .نهاية الخمسينيات حل أحمد الغول بحي درب ميلا، حديث النشأة آنذاك، حيث سيكتسب اسمه شهرة أكبر محليا ووطنيا .

خلال انتخابات 1963 حاولت العديد من الشخصيات السياسية استقطابه لصفوفها، لأنها كانت تعلم أن وجوده فقط كافي للتأثير على أصوات الناخبين من جهة، ثم ضمان الأمن والحماية لها ولمريديها، لما له من بأس شديد في المواجهات المباشرة. ولأن أحمد الغول كان في نهاية الأمر شخصا بسيطا رغم قوته الخارقة، فقد استساغ طعم المال وبحبوحة العيش رفقة هذه الشخصيات، وصار يحظى بامتيازات مباشرة، ارتفعت بمستواه الاجتماعي الفقير في الأصل، إلى مصاف طبقة متوسطة صغيرة جدا. يحكي أحمد الغول نفسه عن هذه الفترة قائلا ‘‘ كان المئات من الشباب والنساء والشيوخ والأطفال يسيرون ورائي كلما انتقلت من مكان إلى آخر. كنت أرى في نظراتهم الخوف و الاحترام والإعجاب، وكان هذا يزيدني شعورا بالفخر والحماس ‘‘. لكن أحمد الغول البسيط سرعان ما سيطلق السياسة ومجالسها وأتباعها، بعد أن اكتشف أن الإقبال الخرافي الذي يحظى به من شخوصها زمن الانتخابات سرعان ما يخبو بعد أن يقضي ‘‘ المغررون به ‘‘ وطرهم، فتتغير سلوكاتهم تجاهه، ويستعيد مكانته بين ناس الشعب كأي رجل عادي . من بين هذه الشخصيات المعطي بوعبيد والمحجوب بن الصديق اللذان أثتا بأحمد الغول المشاهد النقابية التي كانوا يؤطرونها لسنوات في مناطق الفداء ودرب السلطان .الابتعاد عن الشخصيات السياسية والنقابية، فتح المجال لأحمد الغول للعودة إلى الحرية، التي كان يعشقها أكثر من أي شيء آخر . الحرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وبمزاياها وسلبياتها المتعددة والمنطقية . في حي درب ميلا، سيتقرب منه كبار القوم كما صغارهم، وبينهم أصدقاء عمره الطويل، ممن خذلوه وتنكروا له في نهاية حياته، ومن ظلوا على العهد أوفياء . قبيل وفاته بسنتين أو ثلاث، كان الغول يقتعد مكانه في قهوة بشيشي بالزنقة 6 في حي درب ميلا، ويتذكر كل من عاشروه يوما. فقد كان يتميز بذاكرة قوية لا تفلت حدثا و لا تنسى تفصيلا . بين سهوة وأخرى، كان ينتفض متذكرا إسما عريقا من أبناء الحي، إما منوها بخصاله أو مستنكرا زلاته، أسماء من قبيل ‘‘ مصطفى الفروج ‘‘ و ‘‘ عبد الله جحيا ‘‘ و ‘‘ المعروفي ‘‘ وغيرهم … ممن تشاركوا كل شيء تقريبا في الحياة من المسكن إلى المشرب و المأكل، مرورا بكل متع الحياة، ومطباتها المضحكة والمبكية، وشجاراتها الخالدة التي ما تزال الذاكرة الشعبية لأحياء الدارالبيضاء العتيقة تحفل بتفاصيلها وتستعيدها بالكثير من الإعجاب والفخر .ولأن شخصيات مثل أحمد الغول ينطبق عليها دائما المثل العربي ‘‘ في الصيف ضيعت اللبن ‘‘، فقد عانى الراحل كثيرا، ماديا واجتماعيا في سنواته الأخيرة. الراحل كان يعيش يومه وينفق اليمين واليسار على المقربين والدخلاء، ولم يفكر يوما في المستقبل ربما لأن القوة التي استودعها فيه الله كانت تحول دون ذلك . في أرذل العمر، ظل عزيز النفس عصيا على الاستجداء، لا يقبل أن يمد يده لأحد، فمجد الماضي وكبرياء القوة كانا يمنعاه من أن يستجدي ثمن قهوة من جليسه، ويدعي أن جيبه مليء بالنقود، ما كان يثير حفيظة أصدقائه القدامى الذين يعرفون واقع حاله أكثر من غيرهم . قبل تردي وضعه الصحي وإغلاق المقهى التي كان يديرها في حي درب ميلا، عاش أحمد الغول مأساة إنسانية حقيقية، بعد أن فقدت ابنته الحياة بملهى ياسمينة للأطفال، في حادث أليم، إثر سقوطها من فضاء الآليات الطائرة للملهى وارتطام رأسها بنصل حديدي. مأساة ابى الراحل أن يستثمرها لصالحه بالرغم من إلحاح جهات كثيرة على استعمالها للضغط على سلطات المدينة من أجل الحصول على امتياز ريعي.لأحمد الغول نهايتان. نهاية ‘‘ أسطورة القوة ‘‘ في ما يعرف في الذاكرة الشعبية للدارالبيضاء ب‘‘ المطايفة ديال درب الكبير ‘‘ مطلع الثمانينيات، حين دخل في شجار مع أكثر من 20 شخصا، أحكموا الطوق عليه باستعمال إطار عجلاتي لشاحنة، وانهالوا عليه بالضرب بكل الأسلحة الممكنة. خارت قواه بعد هذا الحادث ولم يعد الغول سوى ظل الأسطورة القديمة. نهايته الثانية، كانت أول أمس، لتثبت لنا الحياة مرة أخرى أن الشخصيات الاستثنائية مصيرها الانتهاء أيضا. رحل أحمد الغول ببدنه، لكن أسطورته ستظل راسخة في الأذهان.

- Advertisement -

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.